أبو حامد الغزالي
123
تهافت الفلاسفة
فإنه لما جاز أن يستعمل النظر في القلب مجازا ، والكلام في تحريك الرأس واليد ، حتى يقال ، : قال برأسه أي نعم ؛ لم يستقبح أن يقال : قال بلسانه ، ونظر بعينه ، ويكون معناه نفى احتمال المجاز ، فهذه مزلة القدم ، فليتنبه لمحل انخداع هؤلاء الأغبياء . فإن قيل : تسمية الفاعل فاعلا ، إنما تعرف من اللغة ، وإلا فقد ظهر في العقل أن ما يكون سببا للشئ ، ينقسم إلى ما يكون مريدا ، وإلى ما لا يكون ؛ ووقع النزاع في أن اسم الفاعل على كلا القسمين حقيقة أم لا ؟ ! ، ولا سبيل إلى إنكاره ، إذ العرب تقول : النار تحرق ، والسيف يقطع ، والثلج يبرد ، والسقمونيا تسهل ، والخبز يشبع ، والماء يروى . وقولنا : يضرب ، معناه يفعل الضرب ، وقولنا تحرق ، معناه تفعل الإحراق ، وقولنا : يقطع ، معناه يفعل القطع ، فإن قلتم ، إن كل ذلك مجاز ، كنتم متحكمين فيه من غبر مستند . والجواب ، أن كل ذلك بطريق المجاز ، وإنما الفعل الحقيقي ما يكون بالإرادة . والدليل عليه أنا لو فرضنا حادثا توقف في حصوله على أمرين ، أحدهما إرادى والآخر غير إرادى ، أضاف العقل الفعل إلى الإرادى ، وكذا اللغة ، فإن من ألقى إنسانا في النار فمات ، يقال : هو القاتل ، دون النار ، حتى إذا قيل ما قتله إلا فلان ، صدق قائله ، فإن كان اسم الفاعل على المريد وعلى غير المريد ، على وجه واحد ، لا بطريق كون أحدهما أصلا وكون الآخر مستعارا منه ، فلم يضاف القتل إلى المريد لغة وعرفا وعقلا ؟ ! ، مع أن النار هي العلة القريبة في القتل ، وكأن الملقى لم يتعاط إلا الجمع بينه وبينه النار ، ولكن لما كان الجمع بينه وبين النار بالإرادة ، وتأثير النار بغير إرادة سمى قاتلا ، ولم تسمى النار قاتلة ، إلا بنوع من الاستعارة ، فدل أن الفاعل من يصدر منه الفعل عن إرادته ، فإذا لم يكن اللّه تعالى مريدا عندهم ولا مختارا ، لفعل العالم ، لم يكن صانعا ولا فاعلا إلا مجازا . فإن قيل : نحن نعنى بكون اللّه تعالى فاعلا ، أنه سبب لوجود كل